القاضي عبد الجبار الهمذاني

109

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أن يكون أحد الأمرين يقوم مقام الآخر . فإذا صح ذلك ، فالأولى في هذه المسألة أن يقال : / إنه مفعول على وجه الوجوب ، إما لإزالة إلحاده أو لأنه لطف ، ويقوم مقام تبقيته على ما هو عليه . وما عدا ذلك فالحال فيه ما قدّمناه . فأما خلق الحيوان المؤذى « 1 » فلا بدّ من دخوله تحت الألطاف من حيث تعبده تعالى ، وأوجب التحرّز منها ومنعها مما تقدم عليه ، وتكون لطفا في الامتناع من القبيح . فإن كان فيها ما يحصل العبد عند معرفته بحاله يتحرّز من مضارّ الدنيا - ولولاه كان لا يتحرّز - فغير ممتنع أن يقال إنه تعالى يفعله لهذا الوجه . فأما المضارّ التي قد يصح من العبد أن يتحرّز منها ويصح أن يقع فيها - وإن كانت « 2 » من فعل اللّه - فلا يجب القطع على أنها « 3 » لطف على كل حال ، بل يختلف حالها « 4 » في المكلفين . لكنه يجب أن يقال : إنه لولا التكليف كان لا يحسن ؛ فلا بدّ من كونه لطفا على بعض الوجوه . وذلك بمنزلة الصيف والشتاء وما يلحق العبد فيهما من الحرّ الّذي يمكنه التحرّز منه . وأما القدر الّذي لا يمكنه التحرّز [ منه ] فهو بمنزلة الأمراض . وأما الأمور التي تحصل بعد الموت أو في الآخرة مما يوجد منها ، والحال حال تكليف ، لم يمتنع أن تكون لطفا نحو عذاب القبر ؛ لأنه وإن كان مستحقا فغير ممتنع أن يكون لطفا للملائكة وغيرهم ممن يقف على ذلك ويعرفه ، ويصير حاله في هذا الوجه بمنزلة حال العقوبات المعجلة في دار الدنيا . وكذلك القول فيما يفعله تعالى بالمؤمنين بعد الموت من الإحياء ، وإظهار المنازل التي يستحقونها في أن ذلك وإن كان بمنزلة الثواب ، فغير ممتنع أن يكون لطفا لمن يقف على ذلك .

--> ( 1 ) غير واضحة لأنها غير منقوطة . ( 2 ) في الأصل : « كان » . ( 3 ) في الأصل : « أنه » . ( 4 ) في الأصل : « حاله » .